فخر الدين الرازي

60

تفسير الرازي

قوله تعالى * ( وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم باللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَىُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ باِلاَْمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الاَْمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ ) * . اعلم أن هذا من بقية الجواب عن الكلام الأول ، والتقدير : وكيف أخاف الأصنام التي لا قدرة لها على النفع والضر ، وأنتم لا تخافون من الشرك الذي هو أعظم الذنوب . وقوله : * ( ما لم ينزل به عليكم سلطاناً ) * فيه وجهان : الأول : أن قوله : * ( ما لم ينزل به عليكم سلطاناً ) * كناية عن امتناع وجود الحجة والسلطان في مثل هذه القصة . ونظيره قوله تعالى : * ( ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به ) * ( المؤمنون : 117 ) والمراد منه امتناع حصول البرهان فيه ، والثاني : أنه لا يمتنع عقلاً أن يؤمر باتخاذ تلك التماثيل والصور قبلة للدعاء والصلاة فقوله : * ( ما لم ينزل به سلطاناً ) * معناه : عدم ورود الأمر به . وحاصل هذا الكلام : مالكم تنكرون على الأمن في موضع الأمن ، ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف ؟ ولم يقل : فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم ؟ احترازاً من تزكية نفسه فعدل عنه إلى قوله : * ( فأي الفريقين ) * يعني فريقي المشركين والموحدين . ثم استأنف الجواب عن السؤال بقوله : * ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ) * وهذا من تمام كلام إبراهيم في المحاجة ، والمعنى : أن الذين حصل لهم الأمن المطلق هم الذين يكونون مستجمعين لهذين الوصفين : أولهما : الإيمان وهو كمال القوة النظرية . وثانيهما : * ( ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ) * وهو كمال القوة العملية . ثم قال : * ( أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) * اعلم أن أصحابنا يتمسكون بهذه الآية من وجه والمعتزلة يتمسكون بها من وجه آخر . أما وجه تمسك أصحابنا فهو أن نقول إنه تعالى شرط في الإيمان الموجب للأمن عدم الظلم ، ولو كان ترك الظلم أحد أجزاء مسمى الإيمان لكان هذا التقييد عبثاً ، فثبت أن الفاسق مؤمن وبطل به قول المعتزلة ، وأما وجه تمسك المعتزلة بها فهو أنه تعالى شرط في حصول الأمن حصول الأمرين ، الإيمان وعدم الظلم ، فوجب أن لا يحصل الأمن للفاسق وذلك يوجب حصول الوعيد له .